فخر الدين الرازي
255
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها ، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل اللَّه لا فعل البشر . واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بالقرآن ستة ، فأولها : أنه تحداهم بكل القرآن كما قال : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] وثانيها : أنه عليه السلام تحداهم بعشر سور قال تعالى : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] وثالثها : أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] ورابعها : أنه تحداهم بحديث مثله فقال : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [ الطور : 34 ] وخامسها : أن في تلك المراتب الأربعة ، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم ، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها . وسادسها : أن في المراتب المتقدمة تحدى كل وأحد من الخلق ، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم ، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة ، كما قال : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وهاهنا آخر المراتب ، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها اللَّه تعالى في إثبات أن القرآن معجز ، ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوها : الوجه الأول : أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا : ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها : فأولها : بيان قدرة اللَّه تعالى على التصرف في هذا العالم ، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز / وذلك يدل على قدرة كاملة . وثانيها : أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى ، فنهاية كل متحرك سكون ، وغاية كل متكون أن لا يكون ، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة ، كما قال : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] وثالثها : أنه صلى اللَّه عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ ، دل ذلك على أنه بوحي من اللَّه تعالى ، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 192 - 194 ] . والوجه الثاني : أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئا ساء ظنهم بالقرآن . وقد أجاب اللَّه تعالى عنه بقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [ آل عمران : 7 ] . والوجه الثالث : أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئا فشيئا ، فصار ذلك سببا للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب اللَّه تعالى عنه بقوله : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان . والوجه الرابع : أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر ، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم ، فظنوا أن محمدا عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب ، واللَّه تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة . الوجه الخامس : أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات ، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا ، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه ، فأجاب اللَّه تعالى عنه بقوله :